أحمد ياسوف
324
دراسات فنيه في القرآن الكريم
في جمال إفراد الأرض ، وقبح جمعها ، ويتّضح هذا في قوله تبارك وتعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطلاق : 12 ] ، فلم يذكر البيان القرآني « أرضون » ، يقول الرافعي : « ولم يقل سبع أرضين ، لهذه الجسأة التي تدخل اللفظ ، ويختلّ بها النظام اختلالا » « 1 » . ومما لا شكّ فيه أن وجود الضّاد في « أرضين » ، أخفّ من وجوده في « الضّفادع » لوجود مدّ الياء بعد الضّاد ، وقبله الكسرة ، إنما الأمر يعني غرابة المفردة فيما يبدو لنا ، وهذه الغرابة لا يتطلّبها مضمون سياق الآية ، حتى تكون الغرابة الصوتية موائمة لغرابة المعنى أو الموقف . ومما يؤكّد هذا أن البيان القرآني يذكر الأحرف الأربعة الأولى في كلمة أخرى ، إذ يقول عزّ وجلّ : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [ التوبة : 38 ] ، فهنا ذكرت الهمزة والرّاء والضّاد والياء ، ولم تثقل في اللسان ، فالأمر نسبي وليس مطلقا ، هذا النسبي يتجلى في إيقاع الآية . ولربّما كان للإفراد هنا تفسير علمي ما زال في طيّات الغيب ، أو إن نغم التركيب الكلي لا يساعد على ذكر سبع « أرضين » من حيث النّظم الموسيقى ، كما رأى الرافعي . أما من حيث المعنى ، فقد كان شائعا بين الناس خلق « سبع سماوات » ولا يعلم أحد بسبع أرضين ، فجاءت كلمة « مثلهن » لتزيح الاستغراب والإنكار عن وجود سبع أرضين ، وكأنه يقول : الذي خلق سبع سماوات خلق سبع أرضين ، وهو قادر على ذلك من باب أولى . ونستطيع أن نقول : إن ابن الأثير ظلّ منظّرا أميل إلى ذكر الأحكام والأفكار من غير تطبيق ، خصوصا إذا تعرّض لمفردات القرآن ، وقد
--> ( 1 ) إعجاز القرآن للرافعي ، ص / 233 ، وقد ذكر الجاحظ هذا في البيان والتبيين : 1 / 141 .